أحمد بن ابراهيم النقشبندي
268
شرح الحكم الغوثية
وعليك يا أخي بالصمت والعزلة والجوع والسهر ، فإنها تلين لك هذه الأرض ، وتجعلها صالحة للغراس ، وإيّاك وكثرة الطعام والمنام والكلام ، فإنها تقسي القلب ، وتهدم ما بنيته من الأساس . 129 - كثرة الطعام والكلام والمنام تقسي القلب . لأن رقة القلب من صفائه ، وصفاؤه يحصل من خلوه من الأغيار ، وعدم مزاحمة الآفات ، فإذا أكثر الشخص من الطعام تقوت النفس ، وناغصت القلب ، وكدرت عليه بوساوسها ، وأظلمت نورانيته بكثرة شهواتها ، فيغلظ ويقسو ، وتذهب عنه تلك الرقة والخشوع ما يحصل بسبب الجوع ، وكذلك المنام إذا أكثر منه الشخص ، جذب صاحبه إلى الكسل والغفلة ، وبها تحصل كل شهوة ، وتنمحي بذلك عن القلب الأنوار ، ويذهب صفائه ، وتعتريه الأكدار ، وتصير القسوة ملازمة له إناء الليل وأطراف النهار . وأما كثرة الكلام فإنها العضال ، والسم القاتل لفحول الرجال . قال صلى اللّه عليه وسلم : « كثرة الكلام بغير ذكر اللّه تعالى تقسي القلب ، وأبعد الناس من اللّه القلب القاسي « 1 » » ، وذلك لأن كل كلمة بما لا يعني بمنزلة نكش مصدئ في مرآة القلب ، ولا يزال الصدأ يجتمع حتى يغشى جميع مرآة القلب ، فيظلم نورها ، ويذهب بهجتها وحبورها . كما قال في الحكم العطائية : « كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته » « 2 » .
--> ( 1 ) رواه الإمام مالك في الموطأ ( 2 / 986 ) . ( 2 ) قال الشيخ ابن عجيبة : « يشرق » بضم الياء أي يستنير ويضيء ، « وصور الأكوان » أشخاصها ، وتماثيلها الحسية والمعنوية ، « والأكوان » أنواع المخلوقات دقّت أو جلّت ، « ومنطبعة » أي ثابتة وانطبع الشيء في الشيء ظهر أثره فيه ، و « المرآة » بكسر الميم آلة صقيلة ينطبع فيها ما يقابلها ، فكلما قوي صقلها قوي ظهور ما يقابلها فيها ، واستعيرت هنا للبصيرة التي هي عين القلب التي تتجلى فيها الأشياء حسنها وقبيحها . قلت : جعل اللّه سبحانه قلب الإنسان كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها كل ما يقابلها وليس لها إلا وجهة واحدة ، فإذا أراد اللّه عنايته عبد أشغل فكرته بأنوار ملكوته وأسرار جبروته ، ولم -